أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

225

العقد الفريد

عليك شيئا ! فضجرت منها ومن قولها ، وخرجت على وجهي في ذلك البرد والريح ، وليس عليّ إلا فرو خلق « 1 » ، ليس فوقه دثار ، ولا تحته شعار ، إلا ازار على عنقي ؛ ثم جاءت ريح شديدة ، فذهبت به عن يدي ، وتفرّقت أجزاؤه عني من بلاه وكثرة رقاعه ، وعلى عنقي طيلسان « 2 » ليس عليّ منه إلا رسمه . فخرجت واللّه متحيرا لا أدري أين أقصد ولا حيث أذهب ؛ فبينما أنا أجيل الفكرة ، إذ أخذتني سماء بفطر متدارك ، فدفعت على دار على بابها روشن « 3 » مطلّ ودكان نظيف وليس عليه أحد ؛ فقلت : أستتر بالروشن إلى أن يسكن المطر . فقصدت قصد الدار ، فإذا بجارية قاعدة ، قد لزمت باب الدار كالحافظة عليه ؛ فقالت لي : إليك يا شيخ عن بابنا . فقلت : أنا - ويحك - لست بسائل ، ولا أنا ممن تتخوّف ناحيته ! فجلست على الدكان ، فلما سكنت نفسي سمعت نغمة رخيمة من وراء الباب ، تدلّ على نغمة امرأة : فأصغيت ، فإذا بكلام يدل على عتاب ؛ ثم سمعت نغمة أخرى مثل تلك ، وهي تقول فعلت وفعلت ! والأخرى تقول : بل أنت فعلت وفعلت ! إلى أن قالت إحداهما : أنا - جعلت فداك - إن كنت أسأت فاغفري ؛ واحفظي فيّ بيتين لمولانا إبراهيم السويقي ! فقالت الأخرى : وما قال ؟ فإنه يبلغني عنه اشعار ظريفة . فأنشدتها تقول : هبيني يا معذّبتي أسأت * وبالهجران قبلكم بدأت فأين الفضل منك فدتك نفسي * عليّ إذا أسأت كما أسأت فقالت : ظرف واللّه وأحسن ! فلما سمعت ذكري وذكر « مولانا » علمت أنهما من بعض نساء المهالبة ؛ فلم أتمالك أن دفعت الباب وهجمت عليهما ، فصاحتا : وراءك يا شيخ عنّا حتى نستتر ! وتوهّمتا أنني من أهل الدار ؛ فقلت لهما . جعلت فداكما ، لا تحتشما مني ؛ فإني أنا إبراهيم السويقي ؛ فباللّه ، وبحق حرمتي منكنّ ، إلّا شفّعتني فيها ،

--> ( 1 ) الخلق : البالي . ( 2 ) الطيلسان : « الشال » بالعامية المصرية . ( 3 ) الروشن : الرفّ ، وقيل الكوة .